"شغف الاستكشاف: من حول العالم إلى داخل المملكة مع إبراهيم سرحان"
من العالم إلى السعودية.. إبراهيم سرحان يكشف كنوز المملكة المخفية
يسافر كثيرون بحثًا عن المدن الشهيرة والمناظر الطبيعية المختلفة، لكن بالنسبة إلى إبراهيم سرحان لم يكن السفر مجرد زيارة مكان جديد والتقاط الصور ثم العودة إلى المنزل. فمع مرور السنوات تحول الترحال لديه إلى وسيلة لفهم الإنسان والثقافة وطريقة عيش المجتمعات، ثم قاده هذا الشغف في النهاية إلى سؤال مختلف: إذا كان العالم مليئًا بالأماكن التي تستحق الاكتشاف، فكم مكانًا داخل بلاده لم يعرفه بعد؟
هذا السؤال يمثل جزءًا أساسيًا من تجربة الرحّال السعودي إبراهيم سرحان، الذي تنقل بين دول أمريكا الجنوبية وأمريكا اللاتينية وعاش تجارب في بيئات مختلفة، من الغابات الاستوائية إلى جبال الأنديز، قبل أن يوجه اهتمامه بصورة متزايدة إلى استكشاف السعودية من الداخل، والوصول إلى قرى ومجتمعات بعيدة لا تظهر عادة في المحتوى السياحي التقليدي.
وفي حلقة «شغف الاستكشاف من حول العالم إلى داخل المملكة» من بودكاست محفوف، يناقش سرحان دوافع السفر ومعنى الترحال بالنسبة إليه، وتجربته في أمريكا الجنوبية وكولومبيا، ثم ينتقل إلى الحديث عن الثقافة المحلية في السعودية، ومشاهد من جنوب المملكة وشمالها، وتبوك، وعلاقة الإنسان بالهجن وبعض عناصر التراث العربي مثل الشداد المستخدم مع الإبل.
واللافت في تجربته أن السفر إلى الخارج لم يجعله ينظر إلى بلاده باعتبارها مكانًا يعرفه بالكامل، بل حدث العكس تقريبًا. فكلما تعرف إلى ثقافات جديدة بدأ يدرك أن المناطق القريبة منه قد تحمل هي الأخرى قصصًا وتقاليد وتفاصيل لا يعرفها كثير من أبناء المدن الكبرى.
وهنا يتحول مفهوم السياحة من مجرد البحث عن مكان جميل إلى محاولة فهم الناس الذين يعيشون في المكان، وكيف تشكلت عاداتهم، وما الذي يميز علاقتهم بالطبيعة، وما القصص التي تناقلوها عبر الأجيال.
كيف غيّر السفر حول العالم نظرة إبراهيم سرحان إلى الاستكشاف؟
من المحاور الرئيسية في الحلقة حديث إبراهيم سرحان عن تجربته في أمريكا الجنوبية وأمريكا اللاتينية، وهي مناطق تتميز بتنوع جغرافي وثقافي شديد الاتساع.
فالمسافر يستطيع خلال هذه المنطقة الانتقال من المدن المكتظة إلى الغابات الاستوائية، ثم الوصول إلى مناطق جبلية شديدة الارتفاع في سلسلة الأنديز، وفي كل مكان يجد لغة ولهجة وطعامًا وعادات مختلفة.
لكن بالنسبة إلى الرحالة الحقيقي، لا تكون القيمة الأكبر في عدد الدول التي زارها.
قد يسافر شخص إلى عشرات الدول ويبقى معظم الوقت داخل الفنادق والمناطق السياحية، بينما يستطيع آخر زيارة عدد أقل من الأماكن لكنه يعيش مع السكان ويتعرف إلى طريقة حياتهم ويخرج بتجربة أعمق.
وتظهر في تجربة سرحان فكرة فهم الإنسان من خلال السفر، وهي من الموضوعات التي تتناولها الحلقة بصورة مباشرة. فهو لا ينظر إلى المجتمعات المختلفة باعتبارها مشاهد غريبة فقط، وإنما يحاول فهم كيف يعيش الإنسان تحت ظروف مختلفة وما الذي يجمع البشر رغم اختلاف الثقافات.
وفي السفر إلى أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، قد يصل المسافر وهو يحمل صورًا مسبقة تكونت لديه من الأفلام أو الأخبار، ثم يكتشف أن الحياة اليومية أكثر تعقيدًا من هذه الصورة.
وتتطرق الحلقة إلى كولومبيا والصورة المرتبطة تاريخيًا بالمخدرات، وهي مثال واضح على الطريقة التي قد تختزل بها وسائل الإعلام بلدًا كاملًا في قضية واحدة.
فالبلد الذي يعرفه بعض المشاهدين فقط من خلال تاريخ تجارة المخدرات يحتوي في الواقع على ملايين الأشخاص ومدن وثقافات وفنون ومجتمعات محلية لا يمكن اختصارها في هذا الجانب.
وهنا يقدم السفر درسًا مهمًا: الصورة التي نكوّنها عن مكان قبل زيارته ليست دائمًا الصورة التي سنجدها عندما نعيش بين أهله.
الأمر نفسه ينطبق على عادات المجتمعات الصغيرة. ما قد يبدو للمسافر غريبًا في البداية قد يصبح مفهومًا عندما يعرف البيئة والتاريخ الذي نشأت فيه هذه العادة.
ومن هنا يتحول الرحالة تدريجيًا من شخص يسأل: «ما أغرب شيء رأيته؟» إلى شخص يسأل: «لماذا يعيش هؤلاء الناس بهذه الطريقة؟»
وهذا الاختلاف في السؤال هو ما يجعل السفر أداة للتعلم.
كما يناقش سرحان الدافع وراء السفر، وهي نقطة مهمة لأن الناس يسافرون لأسباب مختلفة. البعض يريد الراحة، وآخر يبحث عن المغامرة، وشخص ثالث يريد التعرف إلى التاريخ أو الطعام أو المجتمعات.
أما الاستكشاف بالمفهوم الذي يظهر في تجربته فيحتاج إلى قدر أكبر من الفضول، لأن الرحالة قد يختار أحيانًا طريقًا أقل شهرة بدل الوجهة التي يذهب إليها الجميع.
وقد يضطر إلى التعامل مع ظروف غير مريحة أو أماكن لا توجد عنها معلومات كثيرة على الإنترنت.
لكن هذه الصعوبة هي نفسها ما يصنع قيمة التجربة؛ فكلما ابتعد الإنسان عن المسارات السياحية المعروفة، زادت احتمالات مواجهته تفاصيل لم يسبق أن شاهدها في مقاطع الآخرين.
لماذا عاد إبراهيم سرحان إلى استكشاف السعودية من الداخل؟
بعد رحلات طويلة خارج المملكة، لم يتوقف اهتمام إبراهيم سرحان عند اكتشاف العالم. بل اتجه إلى الاستكشاف الداخلي في السعودية، وأصبح يهتم بالوصول إلى مناطق وقرى بعيدة في شمال المملكة وأقصى جنوبها، والتعرف إلى تقاليد وحكايات محلية لا يعرفها عدد كبير من الناس ولم تحصل دائمًا على تغطية واسعة.
وهذه الفكرة تكشف مفارقة يعيشها كثير من محبي السفر.
قد يعرف الشخص شوارع مدينة أوروبية أو أسماء جزر بعيدة، لكنه لا يعرف قرية تقع على بعد عدة ساعات من منزله.
ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن السياحة الدولية تُسوَّق منذ سنوات بصورة ضخمة، بينما ظلت مناطق محلية كثيرة خارج الاهتمام الإعلامي لفترات طويلة.
لكن المملكة العربية السعودية تمتلك مساحة جغرافية شاسعة وتنوعًا طبيعيًا كبيرًا، وهو ما يعني أن الانتقال من منطقة إلى أخرى يمكن أن يمنح المسافر تجارب شديدة الاختلاف.
في الجنوب توجد جبال وقرى ذات طبيعة وعمران محلي مميز، بينما تتميز مناطق شمال المملكة بتضاريس وصحارى وتقاليد مختلفة، ويضيف الساحل والواحات والمرتفعات مستويات أخرى من التنوع.
وفي حلقة سرحان يظهر الاهتمام بصورة خاصة بـمشاهد من جنوب وشمال السعودية وتبوك.
ولا يقوم الاستكشاف هنا على المناظر الطبيعية وحدها.
فالقرية القديمة مثلًا قد تبدو جميلة في الصورة، لكن قيمتها الحقيقية تصبح أكبر عندما يعرف الزائر لماذا بنيت البيوت بهذه الطريقة، وما المواد المستخدمة، وكيف تعامل السكان مع الحرارة أو البرد أو الأمطار، وكيف كانت حياتهم قبل ظهور الطرق والسيارات الحديثة.
والأمر نفسه ينطبق على الملابس والطعام والحرف.
كل عنصر منها عادة نتيجة لظروف تاريخية وبيئية.
حتى الأطعمة المحلية قد تكشف كثيرًا عن المنطقة: ما المحاصيل التي كانت متوافرة؟ كيف كان الناس يحفظون الطعام؟ وما الأطباق التي ارتبطت بالمواسم والمناسبات؟
ومن هنا يمكن النظر إلى السفر الداخلي باعتباره طريقة لإعادة اكتشاف الهوية المحلية.
فالهوية السعودية ليست مجموعة واحدة متطابقة من العادات. المملكة تضم مناطق ومجتمعات ذات تفاصيل ولهجات وأساليب حياة مختلفة، لكن هذه الاختلافات جميعها تدخل ضمن الصورة الثقافية الأوسع للبلاد.
وكلما وثق الرحالة هذه الاختلافات بطريقة تحترم أصحابها، ساعد على حفظ جزء من التراث الذي قد يتغير مع التحضر والهجرة من القرى وانتقال الأجيال الجديدة إلى المدن.
وهنا يصبح التوثيق مهمًا.
فالمكان الذي نزوره اليوم قد يتغير بعد عشرين عامًا، والعادة التي يعرفها كبار السن قد لا يعرفها الجيل التالي بالطريقة نفسها.
ولذلك فإن تصوير قصص الناس وتسجيل كلماتهم وتوثيق طرق معيشتهم يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مادة ثقافية وتاريخية مهمة، وليس مجرد محتوى سفر.
تبوك والهجن.. كيف يكشف السفر علاقة الإنسان بالمكان؟
من التفاصيل اللافتة في حلقة إبراهيم سرحان حديثه عن تبوك وعلاقة الإنسان بالهجن، إضافة إلى «الشداد» عند العرب، وهو ما يعكس اهتمامه بالعناصر الثقافية المرتبطة بالمكان وليس فقط بالمشهد الطبيعي.
فالإبل لم تكن مجرد حيوان يعيش في الصحراء، وإنما ارتبطت على مدى قرون بالنقل والسفر والتجارة والغذاء والحياة الاجتماعية في أجزاء واسعة من الجزيرة العربية.
ولهذا فإن فهم علاقة المجتمعات المحلية بالإبل يساعد على فهم جانب من تاريخ المنطقة نفسها.
قبل ظهور السيارات والطرق الحديثة، كانت القدرة على عبور مسافات طويلة في البيئة الصحراوية تعتمد بدرجة كبيرة على الإبل.
ومع مرور الوقت ظهرت أدوات ومفردات وممارسات مرتبطة بها، وأصبحت جزءًا من التراث العربي.
ومن بينها الشداد، المرتبط بتجهيز الإبل للركوب، وهو واحد من التفاصيل التي يمكن للمسافر العادي أن يشاهدها دون أن يعرف تاريخها أو سبب تصميمها بهذه الطريقة.
لكن الرحالة المهتم بالثقافة يحاول أن يسأل صاحب المكان عنها ويعرف كيف كانت تستخدم ومن كان يصنعها وما الذي تغير فيها.
وهذا هو الفرق بين مشاهدة التراث وفهمه.
يمكن لأي شخص التقاط صورة لخيمة أو جمل أو بيت قديم، لكن معرفة القصة التي وراء هذه الأشياء تجعل الصورة تحمل معنى أكبر.
كما أن هذا النوع من التوثيق يعيد الاعتبار إلى المعرفة الموجودة لدى السكان المحليين.
فكبار السن والحرفيون والرعاة وأهل القرى قد يمتلكون معلومات عن بيئتهم لا توجد بسهولة في الكتب أو مواقع الإنترنت.
وقد يعرف أحدهم أسماء النباتات وطرق استخداماتها، بينما يعرف آخر الطرق القديمة التي كانت تسلكها القوافل، ويعرف ثالث تاريخ الأسرة أو القرية والحوادث التي مرت بها.
ولهذا فإن الرحالة لا يكون في هذه الحالة هو «الخبير» الذي يشرح للناس حياتهم، بل يصبح مستمعًا ينقل ما يعرفونه هم عن مكانهم.
ومن الأفكار التي تتناولها الحلقة كذلك الإعلام العربي في مجال الأفلام الوثائقية، وهو موضوع يرتبط مباشرة بهذه التجربة.
فوجود تنوع ثقافي وطبيعي كبير لا يكفي إذا لم توجد أعمال وثائقية قادرة على تقديمه بصورة قوية.
ويمكن للمحتوى الوثائقي المحلي أن يقوم بدور يتجاوز السياحة، لأنه يحفظ الذاكرة ويعرّف الجمهور بأماكن وجماعات ربما لا يعرف عنها شيئًا رغم وجودها داخل بلده.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن يصبح الرحالة جزءًا من عملية توثيق ثقافي أوسع.
فالرحلة تبدأ أحيانًا بدافع الفضول، ثم تتحول إلى مقابلات وصور ومعلومات تحفظ قصة المكان.
كما تساعد وسائل التواصل الحديثة في إيصال هذه القصص إلى جمهور لم يكن من السهل الوصول إليه في السابق.
قرية بعيدة قد يعرفها آلاف الأشخاص بعد انتشار مقطع واحد، وقد يتحول ذلك إلى اهتمام بتاريخها أو طبيعتها أو منتجات سكانها.
لكن هذا الانتشار يحمل مسؤولية أيضًا.
فالرحالة الذي يدخل مجتمعًا صغيرًا يجب أن يتجنب تحويل السكان إلى مجرد «مشهد غريب» لجذب المشاهدات، وأن يحترم خصوصيتهم وطريقة عرض ثقافتهم.
والتوثيق الأفضل هو الذي يجعل الإنسان الموجود أمام الكاميرا شريكًا في رواية القصة لا مجرد خلفية للمغامرة.
ومن هنا تبدو تجربة إبراهيم سرحان في استكشاف السعودية مختلفة عن مفهوم السياحة السريع. فالمسألة ليست جمع أكبر عدد من الوجهات، وإنما بناء فهم أعمق للمكان وللإنسان الموجود فيه.
وربما يكون أهم ما تكشفه رحلاته هو أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى عبور المحيطات حتى يعيش تجربة استكشاف حقيقية.
قد تبدأ المغامرة على بعد ساعات قليلة من المدينة، في قرية لم يسمع باسمها من قبل، أو عند شخص مسن يحمل ذاكرة منطقة كاملة، أو في طريق قديم كانت تعبره القوافل منذ أجيال.
والسفر حول العالم قد يعلم الإنسان الكثير عن الشعوب الأخرى، لكن العودة إلى الداخل قد تجعله يكتشف شيئًا آخر: أن وطنه نفسه أكبر وأكثر تنوعًا مما كان يتصور.
ولهذا فإن رحلة إبراهيم سرحان من أمريكا الجنوبية والغابات الاستوائية والأنديز إلى شمال السعودية وجنوبها وتبوك لا تبدو انتقالًا من السفر العالمي إلى السفر المحلي بقدر ما هي تطور في معنى الاستكشاف نفسه.
فبعد أن كان السؤال هو: «ما المكان الجديد الذي يمكنني الوصول إليه؟»، يصبح السؤال الأعمق: «ما القصة التي لم نسمعها بعد؟»
وهذا النوع من الفضول هو الذي يستطيع تحويل الرحلة من مجرد صور جميلة إلى وسيلة لفهم الثقافة والتاريخ والناس، وإعادة اكتشاف الكنوز الموجودة أحيانًا في الأماكن الأقرب إلينا.